سيد محمد طنطاوي
68
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وأصلها تاء المرة ، ولكنها لما أريد بها المصدر ، قطع النظر عن المرة ، وصار لفظ « الحاقة » بمعنى الحق الثابت الوقوع . ولفظ « الحاقة » مبتدأ ، و « ما » مبتدأ ثان ، ولفظ الحاقة الثاني ، خبر المبتدأ الثاني ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره ، خبر المبتدأ الأول . قال القرطبي ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( الْحَاقَّةُ . مَا الْحَاقَّةُ ) * يريد القيامة ، سميت بذلك : لأن الأمور تحق فيها . وقيل سميت بذلك ، لأنها تكون من غير شك . أو لأنها أحقت لأقوام الجنة ، ولأقوام النار ، أو لأن فيها يصير كل إنسان حقيقا بجزاء عمله ، أو لأنها تحق كل محاق في دين اللَّه بالباطل . أي : تبطل حجة كل مخاصم في دين اللَّه بالباطل - يقال : حاققته فحققته فأنا أحقّه ، إذا غالبته فغلبته . . والتّحاق التخاصم ، والاحتقاق : الاختصام . . « 1 » . و « ما » في قوله * ( وما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ ) * اسم استفهام المقصود به هنا التهويل والتعظيم ، وهي مبتدأ . وخبرها جملة * ( أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ ) * وما الثانية وخبرها في محل نصب سادة مسد المفعول الثاني لقوله * ( أَدْراكَ ) * لأن أدرى يتعدى لمفعولين ، الأول بنفسه والثاني بالباء ، كما في قوله - تعالى - : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّه ما تَلَوْتُه عَلَيْكُمْ ولا أَدْراكُمْ بِه « 2 » . وهذا الأسلوب الذي جاءت به هذه الآيات الكريمة ، فيه ما فيه من التهويل من شأن الساعة ، ومن التعظيم لأمرها ، فكأنه - تعالى - يقول : يوم القيامة الذي يخوض في شأنه الكافرون ، والذي تحق فيه الأمور وتثبت . أتدري أي شيء عظيم هو ؟ وكيف تدرى أيها المخاطب ؟ ونحن لم نحط أحدا بكنه هذا اليوم ، ولا بزمان وقوعه ؟ وإنك - أيها العاقل - مهما تصورت هذا اليوم ، فإن أهواله فوق ما تتصور ، وكيفما قدرت لشدائده : فإن هذه الشدائد فوق ما قدرت . ومن مظاهر هذا التهويل لشأن يوم القيامة افتتاح السورة بلفظ « الحاقة » الذي قصد به ترويع المشركين ، لأن هذا اللفظ يدل على أن يوم القيامة حق . كما أن تكرار لفظ « ما » ثلاث مرات ، مستعمل - أيضا - في التهويل والتعظيم ، كما أن إعادة المبتدأ في الجملة الواقعة خبرا عنه بلفظه ، بأن قال * ( مَا الْحَاقَّةُ ) * ولم يقل ما هي ، يدل أيضا على التهويل . لأن الإظهار في مقام الإضمار يقصد به ذلك ، ونظيره
--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 257 . ( 2 ) سورة يونس الآية 16 .